أحمد بن محمد القسطلاني
164
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
جهة دلالته على استحباب التجمل يوم الجمعة ، والتجمل يكون بأحسن الثياب ، وإنكاره عليه الصلاة والسلام على عمر ، لم يكن لأجل التجمل ، بل لكون تلك الحلة كانت حريرًا . تنبيه : أفضل ألوان الثياب البياض ، لحديث : " البسوا من ثيابكم البياض ، فإنها خير ثيابكم ، وكفّنوا فيها موتاكم " . . . رواه الترمذي وغيره ، وصححوه . ثم ما صبغ غزله قبل نسجه : كالبرد ، لا ما صبغ منسوجًا ، بل يكره لبسه كما صرح به البندنيجي وغيره ، ولم يلبسه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ولبس البرود . ففي البيهقي عن جابر أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان له برد يلبسه في العيدين والجمعة ، وهذا في غير المزعفر والمعصفر . والسُّنّة أن يزيد الإمام في حُسْن الهيئة والعمّة والارتداء للاتباع ، ويترك السواد لأنه أولى . إلاَّ إن خشي مفسدة تترتب على تركه من سلطان أو غيره . وقد أخرج المؤلّف الحديث في الهبة ، ومسلم في اللباس وأبو داود والنسائي في الصلاة . 8 - باب السِّوَاكِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَسْتَنُّ . ( باب ) استعمال ( السواك يوم الجمعة ) السواك مذكر على الصحيح ، وفي المحكم : تأنيثه ، وأنكره اللأزهري . ( وقال أبو سعيد ) الخدري ، رضي الله عنه ، في حديثه المذكور في باب الطيب للجمعة ( عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يستن ) من الاستنان ، أي : يدلك أسنانه بالسواك . 887 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : « لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي - أَوْ عَلَى النَّاسِ - لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلاَةٍ » . [ الحديث 887 - طرفه في : 7240 ] . وبالسند إلى البخاري قال : ( حدّثنا عبد الله بن يوسف ) التنيسي ( قال : أخبرنا مالك ) هو ابن أنس ( عن أبي الزناد ) عبد الله بن ذكوان ( عن الأعرج ) عبد الرحمن بن هرمز ( عن أبي هريرة ، رضي إلته عنه ، أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال ) : ( لولا ) مخافة ( أن أشق على أمتي - أو على الناس - ) شك من الراوي ، ولأبي ذر " أو لولا أن أشق على الناس " . بإعادة : لولا أن أشق . وقد أخرجه الدارقطني في الموطآت من طريق الموطأ لعبد الله بن يوسف ، شيخ البخاري ، فيه بهذا الإسناد ، فلم يعد : لولا أن أشق . . . ، وكذا رواه كثير من رواة الموطأ ، ورواه أكثرهم بلفظ : المؤمنين ، بدل : أمتي . وأن في قوله : لولا أن أشق ، مصدرية في محل رفع على الابتداء ، والخبر محذوف وجوبًا . أي : لولا المشقّة موجودة ( لأمرتهم ) أمر إيجاب ( ب - ) استعمال ( السواك مع كل صلاة ) فرضًا أو نفلاً . فهو عام يندرج في الجمعة ، بل هي أول لما اختصت به من طلب تحسين الظاهر من الغسل والتنظيف والتطيب ، خصوصًا تطييب الفم الذي هو محل الذكر والمناجاة ، وإزالة ما يضرّ بالملائكة وبني آدم من تغير الفم . وفي حديث علي عند البزار ، " أن الملك لا يزال يدنو من المصلي يستمع القرآن حتى يضع فاه على فيه . . . " الحديث . ولأحمد وابن حبان : " السواك مطهرة للفم مرضاة للرب " ، وله وابن خزيمة : " فضل الصلاة التي يستاك لها ، على الصلاة التي لا يستاك لها سبعون ضعفًا " . فإن قلت : قوله : " لولا أن أشق على أمتي " . في ظاهره إشكال ، لأن : لولا ، كلمة لربط امتناع الثاني لوجود الأولى ، نحو : لولا زيد لأكرمتك ، أي : لولا زيد موجود . وهاهنا العكس ، فإن الممتنع المشقّة ، والموجود الأمر ، إذ قد ثبت أمره بالسواك ، كحديث ابن ماجة عن أبي أمامة مرفوعًا : ( تسوّكوا ) ، ونحوه لأحمد عن العباس ، وحديث الموطأ : " عليكم بالسواك . . . " . أجيب بأن التقدير : لولا مخافة أن أشق لأمرتكم . . . أمر إيجاب ، كما مر تقديره ، ففيه نفي الفرضية . وفي غير من الأحاديث إثبات الندبية ، كحديث مسلم ، عن عائشة رضي تعالى عنها : عشر من الفطرة . . . فذكر منها : السواك . وقال إمامنا الشافعي ، رحمه الله ، في حديث الباب : فيه دليل على أن السواك ليس بواجب لأنه لو كان واجبًا لأمرهم به ، شق أو لم يشق . اه - . وقال الشيخ أبو إسحاق ، في اللمع : فيه دليل على أن الاستدعاء على جهة الندب ليس بأمر حقيقة ، لأن السواك عند كل صلاة مندوب ، وقد أخبر الشارع أنه لم يأمر به . اه - . والمرجح في الأصول أن المندوب مأمور به . 888 - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ الْحَبْحَابِ حَدَّثَنَا أَنَسٌ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « أَكْثَرْتُ عَلَيْكُمْ فِي السِّوَاكِ » . وبه قال : ( حدّثنا أبو معمر ) بميمين مفتوحتين بينهما عين مهملة ساكنة ، عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج ، واسمه ميسرة التميمي البصري ( قال : حدّثنا عبد الوارث ) بن سعيد ( قال : حدّثنا شعيب بن الحبحاب ) بفتح الحاءين المهملتين بينهما موحدة ساكنة وبعد الألف أخرى ، البصري ، وسقط لفظ : ابن الحبحاب في رواية ابن عساكر ( قال : حدّثنا أنس ) هو ابن مالك رضي الله عنه ( قال : قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) : ( أكثرت عليكم في ) استعمال